الآلوسي

94

تفسير الآلوسي

قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون من ( المستعجل ) الزلل لأجل المتأني ، وذهب بعض أرباب التحقيق إلى ترجيح التعدي لأن المراد بيان أمور - العجل - لا التعجل مطلقاً ، وقيل : لأن اللازم يستدعي تقدير ( في ) فيلزم تعلق حرفي جر أحدهما : المقدر والثاني : * ( في يَوْمَينْ ) * بالفعل وذا لا يجوز - واليومان - يوم القر . ويوم الرؤوس . واليوم الذي بعده . والمراد فمن نفر في ثاني أيام التشريق قبل الغروب - وبعد رمي الجمار عند الشافعية - وقبل طلوع الفجر من اليوم الثالث إذا فرغ من رمي الجمار عندنا - والنفر في أول يوم منها لا يجوز - فظرفية اليومين له على التوسع باعتبار أن الاستعداد له في اليوم الأول ، والقول بأن التقدير في أحد يومين إلا أنه مجمل فسر باليوم الثاني ، أو في آخر يومين خروج عن مذاق النظر . * ( فَلآ إثْمَ عَلَيْه ) * باستعجاله * ( وَمَن تَأَخَّرَ ) * في النفر حتى رمي في اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده عندنا ، وعند الشافعي بعده فقط * ( فَلآ إثْمَ عَلَيْه ) * بما صنع من التأخر ، والمراد التخيير بين - التعجل والتأخر - ولا يقدح فيه أفضلية الثاني خلافاً لصاحب - " الإنصاف " - وإنما ورد - بنفي الإثم - تصريحاً بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين فيه ، فمن مؤثم للمعجل ، ومؤثم للمتأخر * ( لمَن اتَّقَى ) * خبر لمحذوف - واللام - إما للتعليل أو للاختصاص ، أي ذلك التخيير المذكور بقرينة القرب لأجل - المتقي - لئلا يتضرر بترك ما يقصده من - التعجيل والتأخر - لأنه حذر متحرز عما يريبه ، أو ذلك المذكور من أحكام الحج مطلقاً نظراً إلى عدم المخصص القطعي ، وإن كانت عامة لجميع المؤمنين مختصة - بالمتقي - لأنه الحاج على الحقيقة ، والمنتفع بها ، والمراد من - التقوى - على التقديرين التجنب عما يؤثم من - فعل أو ترك - ولا يجوز حملها على التجنب عن الشرك لأن الخطاب في جميع ما سبق للمؤمنين ، واستدل بعضهم بالآية على أن الحاج إذا اتقى في أداء حدود الحج وفرائضه غفرت له ذنوبه كلها ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأخرج ابن جرير عنه أنه فسر الآية بذلك ثم قال : إن الناس يتأوّلونها على غير تأويلها ، وهو من الغرابة بمكان . * ( واتَّقُواْ اللَّهَ ) * في جميع أموركم التي يتعلق بها العزم لتنتظموا في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة ، أو احذروا الإخلال بما ذكر من أمور الحج * ( واعْلَمُوا أنَّكُمْ الَيْه تُحْشَرُونَ ) * للجزاء على أعمالكم بعد الإحياء والبعث ، وأصل - الحشر - الجمع وضم المفرق وهو تأكيد للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به ، فإن من علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي له إلى ملازمة التقوى ، وقدم إليه للاعتناء بمن يكون الحشر إليه ولتواخي الفواصل . * ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) * * ( وَمنَ النَّاس مَن يُعْجبُكَ قَولُهُ ) * عطف على قوله تعالى : * ( فمن الناس من يقول ) * ( البقرة : 200 ) والجامع أنه سبحانه لما ساق بيان أحكام الحج إلى بيان انقسام الناس في الذكر والدعاء في تلك المناسك إلى الكافر والمؤمن ، تممه سبحانه ببيان قسمين آخرين - المنافق والمخلص - وأصل - التعجب - حيرة تعرض للإنسان لجهله بسبب المتعجب منه ، وهو هنا مجاز عما يلزمه من الروق والعظمة فإن الأمر الغريب المجهول يستطيبه الطبع ويعظم وقعه في القلوب ، وليس على حقيقته لعدم الجهل بالسبب أعني الفصاحة والحلاوة ، فالمعنى ومنهم من يروقك ويعظم في نفسك ما يقول * ( في الْحَيَواة الدُّنُيَا ) * أي في أمور الدنيا وأسباب المعاش - سواء كانت عائدة إليه أم لا - فالمراد من الحياة ما به الحياة والتعيش ،